محمد أمين المحبي

9

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية )

رأيت الدهر قد عاندنى في الدّيار والأحباب ، وكساني المشيب « 1 » قبل أن أعرف مقدار حقّ الشّباب « 2 » . وقد ولّتنى الثّلاثون أذنابها ، وصبّت علىّ المصائب ذنابها . وغاب هلال الصّبا في مغاربه ، وألقيت حبل الصّبا على غاربه . بعد ما كان ذرعى عن هموم الأثر خاليا ، وحالي ببرد العيش حاليا . فرميت الشّام بعزمة المنتاب « 3 » ، وقد رضيت من الغنيمة بالإياب . فحلّيتها في عصر ذهب رواؤه ، وفرغ من المعارف إناؤه . وعضد « 4 » الأدب هيض « 5 » ، وثمده « 6 » بعد هنيئة غيض . حتى تقلّصت ذيول ظلاله ، وبكت عيون المنى على أطلاله . والناس إمّا ساكت ألفا ، أو ناطق خلفا . ولزمت كسر البيت ، وسكنت سكون الميت . متكفكفا بما في يدي ، ومستدفعا ليومى وغدى . وأنا في الدنيا الموصوفة بالنّضارة ، من جملة النّظّارة . أرمقها يمنة ويسرة ، فلا أرى إلّا همّا وحسرة . ولا أراني إلا كاسفا معنّى ، وكأنّنى لفظ بلا معنى . فرمان فرحى أقصر من التفات الحبيب ، وتلفّتى للسّرّاء تلفّت المريض للطّبيب . في أوقات أثقل من الحديث المعاد ، وأطول من عمر الانتظار لوقت الميعاد . لا سمير لي أوانسه ، ولا جليس عندي أجانسه .

--> ( 1 ) في ج : « الشيب » ، والمثبت في : ا ، ب . ( 2 ) ساقط من : ج ، وهو في : ا ، ب . ( 3 ) المنتاب : المنعاد المراوح ، والمنتاب أيضا : الزائر . تاج العروس 1 / 496 . ( 4 ) في ج : « وعصر » ، وفي ب : « وعضو » ، والمثبت في : ا . ( 5 ) في ا : « منيض » ، والمثبت في : ب ، ج ، وهيض : مهيض مكسور . ( 6 ) الثمد : الماء القليل المجتمع ، أو الحفرة يجتمع فيها ماء المطر .